رئيسة وزراء بريطانيا تضحي بحليفها المقرب لإنقاذ نفسها

كتب محمد محمود محرر موقع حصري نيوز

ضحت رئيسة وزراء بريطانيا، ليز تراس، بوزير ماليتها وأقرب حليف سياسي لها بعد أسابيع فقط من رئاستها للوزراء، والسبب في ذلك هو محاولة إنقاذ نفسها من أول ورطة سياسية وجدت نفسها فيها.

صباح الجمعة، تم استدعاء وزير الخزانة البريطاني، كواسي كوارتنغ، قبل يوم واحد من عودته إلى لندن من الولايات المتحدة مباشرة إلى 10 داونينغ ستريت، حيث تم إعفاؤه من مهامه. وتجيء هذه الخطوة بعد ثلاثة أسابيع من إعلان كواسي عن ميزانية مصغرة مثيرة للجدل، تعج بتدابير خفض الضرائب غير الممولة، التي أدت إلى انهيار الأسواق المالية، وتسببت في مرحلة ما في انخفاض الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار، منذ عقود.

واستقرت الأسواق إلى حد ما منذ ذلك الحين، بعد تدخل كبير من بنك إنجلترا، وبعدما تسربت شائعات مفادها أنه سيتم التخلي عن الميزانية المصغرة وتقارير تفيد بإقالة كواسي.

لم تخرج من الورطة

ومع ذلك، فإن رحيل كواسي لا يعني أن تراس خرجت من الورطة، فقد كانت سياسات السوق الحرة التي استدعت تخفيض الضرائب والتي أعلن عنها كواسي هي التذكرة الدقيقة التي اعتمدت عليها تراس لتصبح رئيسة للوزراء.

وكان الثنائي قد اشتركا في وجهة نظر تروج لبريطانيا منخفضة الضرائب، ومرتفعة النمو، في كتاب ألفته مجموعة من المحافظين عام 2012. كان كواسي وتراس على خطى ثابتة في رؤيتهما لبريطانيا، وإن عزله من منصبه هو قبول ضمني بأن خطتها الاقتصادية قد فشلت.

ويقول وزير سابق في مجلس الوزراء من حزب المحافظين لشبكة «سي إن إن» بعد فترة وجيزة من إقالة تراس لكواسي: «لم تكمن المشكلة في ميزانيتهما ولا في الأرقام أبداً، بل كانت تتعلق أكثر بصدقية الخطة». ويضيف «يمكنها عكس الأرقام، ولكن لا يمكنها عكس صدقيتها، لقد أزالت مانعة الصواعق الخاصة بها، وهي الآن ستتلقى الضربة الصاعقة».

أنهت تراس مؤتمراً صحافياً مقتضباً في 10 داونينغ ستريت بعد ظهر يوم الجمعة دافعت فيه عن رؤيتها الاقتصادية، لكنها رفضت الاعتذار لحزبها أو الجمهور، بسبب الاضطرابات التي أحدثتها الميزانية المصغرة. وقالت تراس: «نحن ندرك أنه بسبب مشكلات السوق الجارية، يتعين علينا معالجة المهمة بطريقة مختلفة، وهذا ما نلتزم به تماماً».

وعندما سئلت عما إذا كانت ستقول آسف للمشرعين في حزبها، وبعضهم يحطمون أجندتها الاقتصادية علناً، أجابت: «أنا مصممة على تنفيذ ما حددته عندما كنت أقوم بحملة لأكون زعيمة للحزب، نحن بحاجة إلى اقتصاد عالي النمو، ولكن علينا أن ندرك أننا نواجه قضايا صعبة للغاية كدولة».

وسرعان ما استبدلت تراس حليفها كواسي بالوزير السابق في مجلس الوزراء، جيرمي هانت، الذي وصفته بأنه «واحد من وزراء الحكومة والبرلمانيين الأكثر خبرة واحتراماً على نطاق واسع».

تباين آراء

وتباينت الآراء حول ما إذا كان المستشار الجديد سيكون له تأثير على استقرار الحزب أو تراس. ويعتقد بعض النواب المحافظين أن هانت، الذي شغل منصب وزير الصحة، ووزير الخارجية والثقافة والإعلام والرياضة، في ظل الحكومات السابقة، سيجلب الوحدة إلى الحزب الذي لايزال يتعافى من أزمة القيادة الصيفية المؤلمة. ويحظى باحترام كل من اليسار واليمين في الحزب، ولديه طبيعة هادئة ومطمئنة ومألوفة تروق لجميع المحافظين.

ومع ذلك، من السهل على حزب العمال المعارض مهاجمته. ويشير المشككون في هانت إلى أن سجله في الحكومة غير مكتمل. وسواء كانت الاتهامات صحيحة أم لا، سيكون من الممكن لقادة المعارضة القول إنه كوزير للصحة، فشل في إعداد الخدمات الصحية البريطانية بشكل كافٍ لمواجهة جائحة فيروس كورونا. وكمرشح في المنافسة على قيادة الحزب بعد رئاسة الوزراء المضطربة لرئيس الوزراء السابق، بوريس جونسون، التزم هانت بالفعل بتخفيضات ضريبية على الشركات، أكثر من تراس.

وعندما سئلوا لماذا يعتقدون أن تراس اختارت هانت، على الرغم من عيوبه الواضحة، قال أحد أعضاء البرلمان المحافظ المؤثر لشبكة «سي إن إن» إنه من المحتمل أن تراس نظرت إلى منافسيها القياديين خلال السباق للزعامة هذا الصيف، وأدركت أن هانت كان المرشح من يسار الحزب الذي حصل على أقل عدد من أصوات النواب، وهو بذلك يمثل لها تهديداً أقل من اختيار المتنافسين الآخرين.

خطاب مرتقب

من المتوقع أن يخاطب هانت الأمة في 31 أكتوبر، لتقديم سياسة مالية للبلاد من شأنها أن تشرح كيف تخطط الحكومة لموازنة تقترض المال، لمساعدة المواطنين على دفع فواتير الطاقة على مدى العامين المقبلين. وقالت تراس إن عكس التخفيضات الضريبية سيوفر 18 مليار جنيه إسترليني. ولا يتعدى الأمر إمكانية تحقيق المزيد من المدخرات حيث تصبح ميزانية كواسي ذكرى بعيدة.

أكثر ما يقلق النواب المحافظين هو أن صدقية تراس قد تلاشت وسلطتها ذهبت أدراج الرياح. لقد عينت مستشاراً لا يمكنها إلقاء اللوم عليه في أي عوائق مستقبلية، وتبدو الآن ضعيفة بشكل خطير في مواجهة حزب العمال المعارض الذي أعاد تنظيم صفوفه، ويتقدم في استطلاعات الرأي.

حماية

بموجب قواعد الحزب، تتمتع تراس بالحماية من تحدي القيادة في السنة الأولى من رئاستها للوزراء. ومن المحتمل أن يتمكن نوابها من إعادة كتابة القواعد، ولكن حتى لو تمكنوا من ذلك، فليس هناك من يقين من أن استبدالها سيؤدي إلى قلب استطلاعات الرأي.

ووصل الحد إلى أن أحد المشرعين من حزب المحافظين أشار إلى أن الحل الجيد هو رحيل تراس حتى يتمكن زعيم جديد من محاولة تغيير الأمور، بما يكفي لمنع المعارضة من تحقيق فوز ساحق في الانتخابات المقبلة. ويخشى بعض المشرعين من أن تتويج زعيم آخر دون استشارة الجمهور – بعد أشهر فقط من استبدال جونسون بطريقة مماثلة – قد يجعل الحزب يبدو أسوأ في نظر الجمهور.

كل هذا يعني أن تراس وحزبها في وضع لا يحسدان عليه في الوقت الجاري. وبسبب عدم قدرتها على إجراء إصلاحات كبيرة، من دون حلفاء رئيسين للوصول إلى توحيد الحزب، فإن حكومة تراس تخاطر بأن تبدو كأنها حكومة تصريف أعمال، تنتظر ببساطة أن يتولى شخص آخر زمام الأمور.

• أكثر ما يقلق النواب المحافظين هو أن صدقية تراس قد تلاشت وسلطتها ذهبت أدراج الرياح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *