إعلان “أبل” عن مكافحة المواد الإباحية المستغلة للأطفال يثير المخاوف بشأن الخصوصية الشخصية



كتب: سعاد فايق محرر موقع حصري نيوز

نشرت في:

كشفت شركة أبل عن أدواتها الجديدة لتحديد المحتوى الإباحي للأطفال بشكل أكثر فعالية على أجهزتها وخدماتها. لكن بعض خبراء أمن الكمبيوتر يخشون أن تفتح هذه الأدوات الأبواب أمام المراقبة الجماعية المكثفة.

كشفت شركة أبل عملاق المعلوماتية التي تتخذ من رمز التفاحة علامة تجارية، والتي بنت جزءًا كبيرا من سمعتها العالمية على مجال حماية البيانات الشخصية، عن أداة جديدة يوم الخميس 5 آب/أغسطس الماضي أثارت مخاوف كبار خبراء الخصوصية عبر الإنترنت.

هذه الأداة المسماة المدعوة “نيورال ماتش” (NeuralMatch)، تسعى إلى تحقيق هدف يستحيل انتقاده: محاربة استغلال الأطفال في المواد الإباحية. وتخطط أبل، في تحديث سينشر لأول مرة في الولايات المتحدة الشهر المقبل، لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتشفير لمسح الصور المخزنة على أجهزة آي فون وآي باد لزبائنها لتحديد ما إذا كان أي منها يقع ضمن المواد الإباحية للأطفال.


© أ ف ب/أرشيف

هل سيحترم عملاق المعلوماتية الخصوصية الشخصية؟

يمكن بالفعل للمجموعة الأمريكية التحكم في جميع الصور الموجودة على آي كلاود (iCloud)، خدمة النسخ الاحتياطي السحابي على خوادم أبل البعيدة. هذا أيضًا ما يفعله منافسوها الرئيسيون مثل غوغل ودروب بوكس وخدمة ون درايف من مايكروسوفت.

لكن مبتكر أي فون يذهب إلى أبعد من ذلك لأنه على وشك تحليل اللقطات التي لم يقرر المستخدمون وضعها بعد على خوادم آي كلاود. يقول جون كلارك، رئيس المركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين (NCEM)، المنظمة الأمريكية الرائدة ضد استغلال القاصرين، في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال: “يمكن لمبادرة أبل هذه أن تغير قواعد اللعبة”.

تسمح هذه الأداة لشركة أبل بجعل مستخدمي أجهزتها يفهمون أنه لا يمكن أن يكون لديهم أي ملفات مخبأة، حتى في أكثر الأماكن سرية على هواتفهم الذكية. ومع ذلك، فإن سلطة المراقبة الجديدة هذه ستحترم الخصوصية قدر الإمكان. فالخوارزميات لا تنظر إلى الصور. إنها تحول فقط كل ملف إلى معرِّف رقمي – ما يعادل بصمة الإصبع – وتبحث عن تطابق محتمل في ملفات وصور (NCEM) البالغة أكثر من 200 ألف صورة من صور الاعتداء الجنسي على الأطفال.

فإذا اكتشف الذكاء الاصطناعي أن لقطات متعددة على قرص أي فون الصلب توجد أيضًا في قائمة (NCEM)، يتم إرسال الصور إلى أحد موظفي أبل، والذي يمكنه بعد ذلك مشاهدتها “بشكل واضح” للتأكد من أنها “مواد إباحية للأطفال بالفعل”. بالنسبة لشركة أبل، تجعل هذه الإجراءات الوقائية من “نيورال ماتش” (NeuralMatch) أداةً غير تدخلية. يقول إريك نوينشفاندر، رئيس شؤون الخصوصية في شركة أبل، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز: “إذا قمت بتخزين مجموعة من صور الاعتداء على الأطفال، فستواجه مشاكل بالتأكيد، لكن بالنسبة للآخرين الذين لا يفعلون ذلك فلن يحدث ذلك فرقًا على الإطلاق”.

بينما تقول ريانا فيفيركورن، المتخصصة في قضايا المراقبة الإلكترونية في مرصد الإنترنت في جامعة ستانفورد، إن هذه الأداة الجديدة “مصممة بشكل واضح لطمأنة السلطات وإعطاء ضمانة بالنوايا الحسنة للشرطة”.

وفي تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز عام 2019، كشف أن مكافحة استغلال الأطفال في المواد الإباحية كانت إحدى نقاط الضعف على جميع منصات الإنترنت الرئيسية. وأبل، حتى الآن، متأخرة جدًا بالمقارنة بالخدمات الأخرى من حيث اكتشاف المحتوى غير القانوني. وفي عام 2019، أبلغ موقع فيس بوك عن 15,8 مليون محتوى إباحي للأطفال، مقارنة بنـحو 205 فقط لشركة أبل. من الواضح أن هناك مشكلة في غياب تقييم عدد الصور غير القانونية التي يتم تداولها بفضل خدمات أبل، كما يؤكد كيسي نيوتن على تويتر، وهو أحد الصحافيين الأمريكيين الأكثر شهرة في قطاع التقنيات الجديدة.

بداية المتاعب؟

وبحسب ما أوردته الأخبار تستعد أبل أيضًا لتعزيز حماية البيانات على آي كلاود من خلال تقديم التشفير من طرف إلى طرف (مما يعني أن جميع الملفات المحفوظة في السحابة ستصبح غير قابلة للقراءة للشركة) في الأشهر المقبلة. توضح ريانا فيفيركورن بالقول: “هذا قرار طال انتظاره، والإعلان الذي صدر للتو قد يكون وسيلة من شركة أبل لطمأنة السلطات من خلال جعلهم يفهمون أنه لا يزال من الممكن اكتشاف المحتوى غير القانوني على الرغم من التشفير”.

ومع زيادة الضمانات وإظهار النوايا الحسنة تجاه السلطات الأمنية، التي لطالما انتقدته في الماضي، فإن أبل بذلك تذهب إلى حد بعيد في مسألة حماية الخصوصية، وذلك فقًا للعديد من المتخصصين في المراقبة الإلكترونية. يقول روس أندرسون، المتخصص في أمن المعلوماتية في جامعة كامبريدج البريطانية، في مقابلة مع صحيفة فاينانشيال تايمز: “إنها أداة رهيبة ستحول حتمًا أجهزة الكمبيوتر الخاصة بنا [ماك بوك تحديدا – أسرة التحرير] والآيفونات والآيبادات إلى أدوات مراقبة واسعة”.

“فهذه هي الطريقة التي تبدأ بها المراقبة الإلكترونية. بداية، من أجل الدوافع النبيلة، ومن بعد من أجل تعقب صور الأسلحة، ثم من أجل العثور على صور المظاهرات، ولقطات الشاشة للنقاشات حول المظاهرات… إلخ”، يقول جون هاماساكي، المحامي الجنائي الأمريكي، في تغريدة يبدي فيها مخاوفه على تويتر.

في الواقع، كانت أبل ستفتح على نفسها أبواب الجحيم إن قررت تطوير ذكاء اصطناعي يمسح الصور مباشرة على الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية. “ومن الآن فصاعدًا، سيكفي تغيير بعض المعايير في الخوارزمية للسماح لها بالعثور على أنواع أخرى من الصور”، كما تؤكد “مؤسسة الحدود الإلكترونية” (Electronic Frontier Foundation)، وهي إحدى المنظمات الأمريكية غير الحكومية الرئيسية التي تناضل من أجل حماية الخصوصية على الإنترنت، في بيان صدر يوم الخميس.

وماذا بعد ” ذريعة الإرهاب؟

“وستطلب الحكومات، بما في ذلك حكومة الولايات المتحدة، حتماً من شركة أبل تكييف هذا الجهاز مع الحرب ضد الإرهاب. ونحن نعلم إلى أي مدى يمكن أن يكون لهذه الفكرة معانٍ مختلفة من بلد إلى آخر”، يقول محذرًا ديفيد ثيل، المدير الفني لمرصد الإنترنت في ستانفورد، في نقاشات طاولة مستديرة مخصصة لمبادرة أبل. وقد كانت الحرب على الإرهاب، على سبيل المثال، كما نعرف الذريعة التي تستخدمها الصين لسياستها في اضطهاد الأقلية الأويغورية المسلمة.

تقول ريانا فيفيركورن: “يمكنني أن أتخيل جيدًا أن لوبي الموسيقى والأفلام سيطالب أبل بتكييف هذه التكنولوجيا للعثور على الملفات التي تنتهك حقوق النشر”.

ومما لا شك فيه أنه من الأفضل أن يتبقى لنا بعض من الثقة في إن إدارة أبل لن تستسلم أبدًا لكل هذه المطالب. “لأنه من الآن فصاعدًا، فإن الثقة هي كل ما يتبقى لدينا لتجنب انحرافات هذه التكنولوجيا” كما يقول ماثيو جرين، باحث التشفير في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، آسفًا.

وفي أثناء انتظار معرفة ما إذا كانت تنبؤات شركة كاساندر “Cassandre” التكنولوجية ستتحقق، فإن هذه الأداة ستستمر في تأجيج الجدل الواسع حول مكان وضع مؤشر الحريات الفردية باسم الكفاح من أجل أنبل القضايا.

 

النص الفرنسي: سيباستيان سايبت | النص العربي: حسين عمارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق